يشهد العالم الرقمي تحولًا غير مسبوق مع تطور الذكاء الاصطناعي التوليدي. فقد أصبحت روبوتات الدردشة في منصات التواصل الاجتماعي مثل فيسبوك وإنستاجرام وإكس أكثر ذكاءً وواقعية، إلى درجة تجعل التفريق بينها وبين البشر الحقيقيين مهمة شديدة الصعوبة.
من حسابات آلية بسيطة إلى شخصيات رقمية متقنة
لم يعد الخطر محصورًا في حسابات آلية بدائية، بل أصبحنا أمام روبوتات دردشة متطورة تتحول إلى شخصيات افتراضية قادرة على تقليد البشر بدقة. فهي، على سبيل المثال، تحلل منشورات المستخدمين ومشاعرهم وعاداتهم عبر الإنترنت، ثم تنشئ ملفات نفسية دقيقة. ومن خلال هذه القدرة، تستطيع التفاعل بشكل يبدو طبيعيًا، سواء عبر وضع إعجابات، أو كتابة تعليقات، أو الدخول في محادثات شخصية، مما يجعل التمييز بينها وبين الإنسان الحقيقي أكثر صعوبة مع مرور الوقت.
التزييف الرقمي والخطر المتنامي
وفقًا لمقال رأي نشرته صحيفة واشنطن بوست، كشف باحثان في جامعة فاندربيلت الأمريكية عن وثائق توضح كيف تستخدم شركة صينية تُدعى GoLaxy تقنيات الذكاء الاصطناعي في حملات دعائية معقدة، كما تعتمد الشركة على دمج الذكاء الاصطناعي التوليدي مع كميات هائلة من البيانات الشخصية لبناء ملفات تعريف نفسية ديناميكية للمستخدمين، ثم تخصيص محتوى يتناسب مع قيمهم وميولهم ونقاط ضعفهم.
الأخطر أن GoLaxy طورت شخصيات افتراضية قادرة على محادثات طبيعية تتكيف لحظيًا مع مزاج المستخدم، مما يجعلها آلة دعائية شديدة الفاعلية، تعمل على نطاق عالمي، وقد بدأت بالفعل نشاطها في هونج كونج وتايوان، مع احتمالية التوسع نحو الولايات المتحدة.
التداعيات النفسية والاجتماعية
لا يتوقف تأثير روبوتات الدردشة على الخداع السياسي أو التلاعب بالانتخابات، بل يمتد إلى الصحة النفسية. فقد أظهرت دراسة نشرتها هارفارد بزنس ريفيو أن الاستخدام الأكثر شيوعًا للذكاء الاصطناعي التوليدي هو العلاج والدعم النفسي. ويعود ذلك إلى توفره الدائم وانخفاض تكلفته وغياب الأحكام المسبقة، لكنه في الوقت ذاته يثير مشكلات خطيرة، مثل:
- التعلق العاطفي بكيان اصطناعي.
- تلقي نصائح خاطئة أو غير دقيقة.
- تعزيز حالات القلق أو الاكتئاب عند الاعتماد المفرط.
وفي تقرير لصحيفة وول ستريت جورنال، تم تحليل أكثر من 96 ألف محادثة مع ChatGPT، كشفت عن حالات عديدة تلقى فيها المستخدمون معلومات وهمية، ما دفع بعض الخبراء لوصف الظاهرة بذهان الذكاء الاصطناعي (AI psychosis).
كيف نواجه هذا التحدي؟
أمام هذا الواقع، لم تعد اليقظة الرقمية خيارًا، بل ضرورة. فالحل يبدأ من:
- التشكيك في كل محتوى مفرط التخصيص.
- التحقق من المصادر قبل مشاركة المعلومات.
- التعامل مع أي تفاعل رقمي بحذر متزايد.
في النهاية، إن التحدي الأكبر اليوم ليس في قوة الذكاء الاصطناعي، بل في قدرتنا على التمييز بين الحقيقة والتزييف داخل فضاء رقمي يتغير بسرعة هائلة.




