أعلنت وكالة ناسا بالتعاون مع شركة IBM عن تطوير نموذج ذكاء اصطناعي متقدم يحمل اسم Surya، وهو أول نظام من نوعه في مجال الفيزياء الشمسية مخصص للتنبؤ بالطقس الفضائي وآثاره. اسم النموذج مستوحى من كلمة “سوريا” التي تعني الشمس، وقد تم تدريبه على صور شمسية التقطها مرصد ديناميكيات الشمس (SDO) التابع لناسا على مدار تسع سنوات.
دور مرصد ديناميكيات الشمس.. حجر الأساس
يدور مرصد ديناميكيات الشمس على ارتفاع 35,800 كيلومتر حول الأرض منذ أكثر من 15 عامًا، وهو الأداة الأبرز في مراقبة النشاط الشمسي. ومن خلال بياناته المستمرة، يستفيد نموذج Surya في تحليل صور الشمس واكتشاف أنماط دقيقة. وبانتقال سلس بين هذه المعطيات، يتمكن النموذج من التنبؤ بقوة التوهجات الشمسية، وتوقع سرعة الرياح الشمسية، إلى جانب تحديد المناطق النشطة التي قد تؤدي إلى انفجارات شمسية مؤثرة على الأرض.
“التوأم الرقمي” للشمس
يمثل Surya بمثابة توأم رقمي للشمس، حيث يخلق نسخة افتراضية ديناميكية محدثة باستمرار مع وصول بيانات جديدة. كما يتيح التوأم للعلماء تحليل سلوك الشمس بدقة وسرعة غير مسبوقتين، ويمثل نقلة نوعية في مجال التنبؤ بالطقس الفضائي.
دقة أعلى وإنذار مبكر
في الاختبارات الأولية، حقق Surya نتائج أدق بنسبة 16% مقارنة بالطرق التقليدية، وتمكن لأول مرة من التنبؤ بمكان حدوث التوهجات قبل وقوعها بساعتين. كما يمكنه توقع سرعة الرياح الشمسية قبل 4 أيام، والتنبؤ بالطيف فوق البنفسجي للشمس عبر أكثر من 1300 قناة، ما يساعد على تحسين الاستعداد لتأثيرات الطقس الفضائي.
البنية التقنية المتقدمة
اعتمد تطوير Surya على مجموعة من التقنيات الحديثة. ومن أبرزها Long-range vision transformers التي تسمح بتحليل الصور الضخمة وربط تفاصيلها بدقة. وإضافة إلى ذلك، تم استخدام تقنية Spectral gating التي تقلل استهلاك الذاكرة بنسبة تصل إلى 5%، مع تحسين ملحوظ في دقة النتائج. وبفضل هذا المزيج المتطور، أصبح النموذج قادرًا على معالجة صور أكبر بعشر مرات من بيانات تدريب الذكاء الاصطناعي التقليدية، مما يمثل قفزة نوعية في مجال التنبؤ بالطقس الفضائي.
التكامل مع مهمات فضائية أخرى
لا يقتصر عمل نموذج Surya على بيانات مرصد ديناميكيات الشمس فقط، بل يمكن دمجه مع بيانات من بعثات أخرى. فعلى سبيل المثال، تستفيد ناسا من مسبار باركر الشمسي ومرصد سوهو الشمسي والهليوسفيري. ومن خلال هذا التكامل، تصبح التنبؤات أكثر دقة، كما يزداد فهم العلماء لتأثير النشاط الشمسي المباشر على الأرض.
مخاطر العواصف الشمسية
تُشكل العواصف الشمسية القوية خطرًا كبيرًا على الأرض. فهي قد تؤدي إلى انقطاعات واسعة في الاتصالات اللاسلكية، كما يمكن أن تتسبب في تعطيل أنظمة الملاحة الجوية والبحرية. وإلى جانب ذلك، قد تتلف الأقمار الصناعية وتخرج عن مسارها، بينما تتعرض إشارات GPS للتشويش.
ومع استمرار التأثير، قد تنهار شبكات الكهرباء بشكل كامل، كما تشير تقديرات شركة لويدز للتأمين إلى أن اضطراب الطقس الفضائي قد يكلف الاقتصاد العالمي ما يقارب 2.4 تريليون دولار خلال خمس سنوات، في حين أن عاصفة شمسية واحدة قد تتسبب بخسائر تصل إلى 17 مليار دولار.
تعاون بحثي عالمي
أتاحت ناسا وIBM نموذج Surya عبر منصة Hugging Face مفتوحة المصدر، ليكون متاحًا للباحثين وعلماء الفيزياء الشمسية حول العالم. ومن ناحية أخرى، يأتي هذا المشروع ضمن تعاون أوسع بين المؤسستين، حيث يهدف إلى توظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي في دراسة الشمس، وفهم الكواكب، وتعزيز معرفتنا بالنظام الشمسي بأكمله.
مستقبل التنبؤ بالطقس الفضائي
يأمل الباحثون أن تدعم البعثات الفضائية المستقبلية قدرات Surya من خلال مراقبة الشمس من زوايا مختلفة. وحتى ذلك الحين، يظل الذكاء الاصطناعي الأداة الأكثر فعالية لتسريع الاستعداد لمواجهة التغيرات المفاجئة في الطقس الفضائي.
في النهاية، يمثل نموذج Surya خطوة ثورية في مجال التنبؤ بالعواصف الشمسية وفهم الطقس الفضائي. ومن خلال دمج بيانات متعددة وتقنيات ذكاء اصطناعي متقدمة، أصبح من الممكن تقديم إنذارات مبكرة ودقيقة تقلل من المخاطر المحتملة على الأرض.
هذا الابتكار لا يقتصر تأثيره على الأبحاث العلمية فحسب، بل يمتد ليشمل حماية البنية التحتية الحيوية مثل الأقمار الصناعية وشبكات الكهرباء والاتصالات. ومع إتاحة النموذج للباحثين حول العالم عبر منصات مفتوحة المصدر، يفتح التعاون بين ناسا وIBM الباب أمام تطورات جديدة قد تغيّر طريقة تعامل البشرية مع الظواهر الشمسية في المستقبل.




