شهدت العاصمة الإندونيسية جاكرتا وعدة مدن أخرى احتجاجات حاشدة عقب مقتل عفّان كورنياوان، سائق دراجة نارية يعمل في خدمات التوصيل، بعدما صدمته مركبة تابعة للشرطة خلال تفريق مظاهرات قرب البرلمان. الحادثة أثارت غضبًا شعبيًا واسعًا، واعتبرها كثيرون أول اختبار جدي لحكومة الرئيس برابوو سوبيانتو التي تقترب من عامها الأول في الحكم.
خلفية الحادثة وتصاعد الغضب الشعبي
وقع الحادث مساء الخميس أثناء مواجهات بين الشرطة ومتظاهرين كانوا يحتجون على قضايا أبرزها ارتفاع مخصصات نواب البرلمان وضعف التمويل المخصص للتعليم. وخلال محاولة تفريق التجمعات استخدمت قوات الأمن الغاز المسيل للدموع وخراطيم المياه، ما تسبب في فوضى انتهت بوفاة كورنياوان.
في اليوم التالي، خرج مئات الإندونيسيين في مسيرات غاضبة نحو البرلمان ومقر الشرطة في جاكرتا، مرددين هتافات تصف الشرطة بـ”القتلة”. كما سمحت المدارس لتلاميذها بالمغادرة مبكرًا، وطلبت بعض البنوك والشركات من موظفيها العمل من المنزل، بينما انتشرت وحدات من الجيش في شوارع العاصمة.
ردود فعل الشارع: سائقون وطلاب وفنانون
شارك في المظاهرات طلاب وسائقون يرتدون ستراتهم الخضراء المميزة، إلى جانب مواطنين من فئات مختلفة، كما دعا السائق بندي ناصر إلى فتح تحقيق شفاف في الحادثة، مشددًا على أن زملاءه لا يجب أن يكونوا ضحايا مرة أخرى. ومن ناحية أخرى، شاركت الكوميدية أسي ريستي في الاحتجاجات أمام مبنى البرلمان، حيث أعربت عن رفضها الصريح لامتيازات النواب، كما أكدت أن الشارع الإندونيسي بلغ مرحلة السأم من مجمل الأوضاع، سواء من أداء أعضاء البرلمان أو من سياسات الحكومة.
موقف الرئيس برابوو
الرئيس برابوو سوبيانتو أعرب عن صدمته من “الإجراءات المفرطة” للشرطة، ووجه أوامر بإجراء تحقيق شامل وشفاف، كما شدد على ضرورة محاسبة المسؤولين. وأكد في رسالة مصوّرة: “أشعر بخيبة أمل وأطالب بمحاسبة الضباط المتورطين”.
تراجع الأسواق الإندونيسية
انعكست الاضطرابات سريعًا على المشهد الاقتصادي في إندونيسيا. فقد تراجعت العملة المحلية الروبية بنسبة 0.9% لتسجل 16,495 مقابل الدولار. وفي الوقت نفسه، هبط مؤشر الأسهم بنسبة 2.3% ليصل إلى أدنى مستوى له منذ 12 أغسطس، قبل أن يقلص جزءًا من خسائره ويغلق على انخفاض بنسبة 1.5%. ومع ذلك، حذر محللون من أن استمرار الاحتجاجات دون حلول واضحة قد يقود البلاد إلى حالة من الانفلات الأمني والفوضى، الأمر الذي يتطلب إدارة حذرة وحلولًا عاجلة من الحكومة.
اعتذار الشرطة وإجراءات تأديبية
قائد شرطة جاكرتا، آسيب إدي سوهيري، اعترف بمسؤولية عربة مدرعة تابعة للشرطة عن الحادثة، كما قدم اعتذارًا لعائلة كورنياوان. في المقابل، أعلن المتحدث باسم الشرطة الوطنية عبد الكريم احتجاز سبعة من عناصر الشرطة المتورطين لمدة 20 يومًا للتحقيق معهم في مخالفات أخلاقية.
تشييع كورنياوان ومطالب حقوقية
شارك مئات السائقين في جنازة كورنياوان، حيث رافقوا جثمانه على دراجاتهم النارية في موكب مهيب عبر شوارع جاكرتا.
وقال السائق أري بوتريت: “نشعر بخيبة أمل كبيرة من المسؤولين الأمنيين، ما حدث عمل وحشي”. في الوقت ذاته، دعت هيئة المساعدة القانونية في جاكرتا إلى إطلاق سراح 600 شخص اعتقلوا خلال المظاهرات.
في النهاية، إن مقتل عفان كورنياوان تحول إلى قضية رأي عام في إندونيسيا، لتصبح أول تحدٍ حقيقي للرئيس برابوو منذ توليه السلطة. ومع تصاعد الغضب الشعبي، يترقب الشارع ما ستسفر عنه التحقيقات، وسط مطالب متزايدة بإصلاح جهاز الشرطة وضمان عدم تكرار مثل هذه الانتهاكات.