تشهد عمليات البحث والإنقاذ في التضاريس الوعرة والمناطق النائية طفرة تقنية ملحوظة مع دخول الذكاء الاصطناعي إلى ميدان تحديد مواقع المفقودين، خاصة في الحالات التي تنعدم فيها تغطية الهواتف المحمولة أو الإنترنت. هذه التقنيات باتت تمنح فرق الإنقاذ فرصة أكبر لتحديد مواقع الضحايا بسرعة ودقة، ما قد يعني الفرق بين الحياة والموت.
تسريع عمليات تحديد المواقع عبر تحليل الصور
بدأت فرق الإنقاذ حول العالم في الاعتماد على الذكاء الاصطناعي لتحليل الصور الملتقطة عبر الأقمار الصناعية والطائرات المسيّرة، ما يقلص بشكل كبير الوقت اللازم لفرز البيانات ويزيد من دقة النتائج مقارنة بالطرق التقليدية.
يقول ديفيد كوفار، مدير الشؤون في الجمعية الوطنية الأمريكية للبحث والإنقاذ (NASAR)، إن مساهمة الذكاء الاصطناعي تكمن في “تسريع معالجة الصور بدقة تفوق العمل البشري”، مع التأكيد على أنه أداة مساعدة ضمن مجموعة موارد أخرى وليست بديلًا للعنصر البشري.
إنجاز ميداني في إيطاليا
في يوليو الماضي، نجح فريق الإنقاذ الوطني الإيطالي في العثور على جثمان متسلق كان مفقودًا منذ نحو عام، بعد تحليل آلاف الصور الجوية التي التقطتها طائرات مسيّرة. ساعد الذكاء الاصطناعي في تحديد موقع خوذة حمراء لامعة كانت الدليل الحاسم في عملية البحث.
التقنية المعتمدة شملت استخدام طائرتين مسيّرتين لالتقاط 2,600 صورة لمساحة تجاوزت 183 هكتار، جرى تحليلها في فترة بعد الظهر باستخدام خوارزميات متطورة للتعرف على الألوان والأشكال. النتيجة كانت تحديد موقع خوذة حمراء لامعة قادت فرق الإنقاذ مباشرة إلى مكان الجثمان، لتتم عملية الانتشال خلال ثلاثة أيام فقط.
هذا الإنجاز جاء ثمرة تعاون بين فرق الإنقاذ وهيئة الطيران المدني الإيطالية (ENAC)، ضمن برنامج يمتد لأكثر من عام لتطوير استخدام الذكاء الاصطناعي في التعرف البصري.
تقنيات مبتكرة في الميدان
في كندا، استخدمت فرق الإنقاذ التطوعيّة (North Shore Rescue) طائرات مسيّرة مزوّدة بكاميرات حرارية وأنظمة ذكاء اصطناعي لرصد حرارة الجسم، ما ساعد على تحديد مواقع مفقودين وسط الغابات الكثيفة في وقت قياسي، رغم ارتفاع تكلفة النظام التي بلغت نحو 28,800 دولار.
أبحاث حديثة في مجال التعلم التعزيزي العميق (Deep Reinforcement Learning) أظهرت إمكانية وضع خرائط احتمالية دقيقة لمواقع المفقودين، ما أسفر عن تقليص زمن البحث بنسبة تجاوزت 160% مقارنة بالطرق التقليدية.
ابتكارات أخرى تدمج التصوير المرئي مع التصوير الحراري، ما يتيح رصد الأشخاص في ظروف إضاءة ضعيفة أو بين الأشجار الكثيفة، وهو ما أثبت فعاليته في عمليات البحث الليلية أو في الغابات الكثيفة.
آفاق مستقبلية: أنظمة بحث ذاتية التشغيل
الباحث يان-هندريك إيويرس من جامعة غلاسكو طرح فكرة تدريب أنظمة ذكاء اصطناعي على تشغيل الطائرات المسيّرة بشكل آلي فور تلقي بلاغ عن فقدان شخص، قبل أي تدخل بشري. هذه الأنظمة يمكنها جمع المعلومات الميدانية وبدء عمليات البحث في دقائق معدودة، إلا أن تطبيقها يواجه تحديات تتعلق بالتمويل، والسياسات، والمخاطر المرتبطة بالاعتماد على تقنيات تجريبية في مواقف طارئة.
الجدل الأخلاقي والقانوني
ورغم الفوائد الواضحة، تثير هذه التقنيات نقاشًا متزايدًا حول الخصوصية. بعض الحالات قد تشمل أشخاصًا لا يرغبون في أن يتم العثور عليهم، كما في حالات الهروب من العنف الأسري أو الاضطهاد السياسي. كما يؤكد خبراء في الخصوصية أن الاستخدام الأخلاقي يقتضي حذف البيانات فور انتهاء عمليات الإنقاذ، مع الالتزام بالقوانين الخاصة بحماية المعلومات، مثل معايير حماية البيانات الصحية (HIPAA) والقوانين المحلية للخصوصية. ويحذر متخصصون من أن إساءة استخدام هذه التقنيات في المراقبة أو تتبع الأشخاص لأسباب سياسية أو شخصية قد يشكل تهديدًا للحريات الفردية.
بين الأمل والحذر
يمثل الذكاء الاصطناعي إضافة نوعية لعمليات البحث والإنقاذ، خاصة في البيئات الصعبة، لكنه ليس حلًا سحريًا. نجاحه يعتمد على الجمع بين الابتكار والمسؤولية، وضمان أن يظل الهدف الأول هو حماية الأرواح وصون الخصوصية.




