يشهد سوق العمل التقني في الولايات المتحدة أزمة متفاقمة، حيث سجل معدل البطالة بين خريجي علوم الحاسوب الجدد 6.1%، وارتفع بين خريجي هندسة الحاسوب إلى 7.5%، وهي نسب تفوق ضعف ما يواجهه خريجو تخصصات مثل الأحياء وتاريخ الفن، وفقًا لتقرير صادر عن بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك.
وعود الرواتب تنهار أمام الواقع
قصص الخريجين تكشف فجوة كبيرة بين التوقعات والواقع. ماناسي ميشرا، 21 عامًا وخريجة جامعة بوردو، كانت تتوقع راتبًا مكونًا من ستة أرقام، لكنها حصلت على مقابلة واحدة فقط لدى سلسلة مطاعم “تشيبوتلي” ولم تُقبل في الوظيفة.
أما زاك تايلور، خريج جامعة ولاية أوريغون عام 2023، فقد تقدّم لأكثر من 6000 وظيفة تقنية، وحصل على 13 مقابلة فقط دون أي عرض عمل، حتى ماكدونالدز رفض توظيفه بدعوى “نقص الخبرة”.
الذكاء الاصطناعي في قفص الاتهام
يشير خبراء إلى أن أدوات البرمجة المدعومة بالذكاء الاصطناعي ألغت العديد من وظائف المبتدئين، بينما لجأت شركات كبرى مثل أمازون وميتا ومايكروسوفت إلى تقليص التوظيف أو تسريح موظفين. ويصف بعض الخريجين الوضع بـ”دوامة الذكاء الاصطناعي”، إذ يستخدمون أدوات ذكية لتقديم الطلبات بشكل جماعي، في حين تعتمد الشركات على أنظمة آلية لرفضهم خلال دقائق.
أرقام تكشف عمق الأزمة
أظهرت بيانات موقع Handshake تراجعًا حادًا في فرص العمل للمبتدئين، حيث انخفضت الإعلانات الموجهة لهم بنسبة 35% خلال العام الماضي. وفي الوقت نفسه، ارتفعت البطالة بين الشباب العاملين في قطاع التكنولوجيا بثلاث نقاط مئوية منذ بداية 2024، بحسب بيانات غولدمان ساكس. كما حذر الرئيس التنفيذي لشركة أنثروبيك من أن نصف الوظائف المبتدئة قد تختفي خلال السنوات الخمس المقبلة، وهو ما قد يؤدي إلى ارتفاع معدلات البطالة إلى مستويات تتراوح بين 10 و20%.
تحذيرات وتوصيات الخبراء
دعا بيل غيتس جيل الشباب إلى عدم الاكتفاء بالتعليم في مجال الذكاء الاصطناعي، بل العمل على تطوير مهارات متنوعة لضمان الاستمرارية في سوق العمل. وفي السياق نفسه، نصح بول غراهام من Y Combinator بتجنب الوظائف الروتينية التي يمكن استبدالها بالأتمتة، مع التركيز على التميز الشخصي والابتكار كوسيلة للبقاء والتفوق.
بارقة أمل عبر التحول المهاري
رغم الأزمة، يشير تقرير مؤسسة لينكس إلى أن 2025 قد يشهد نموًا في الوظائف المرتبطة بالذكاء الاصطناعي بنسبة 21%، مع تزايد الطلب على المهارات العملية والخبرة الميدانية، وهو ما قد يفتح فرصًا جديدة للخريجين القادرين على التكيّف مع التحولات.
قصص نجاح رغم الصعوبات
تمكنت ميشرا في النهاية من الحصول على وظيفة بعد تقديم طلب عشوائي، مدعوم بمقاطع على “تيك توك” لاقت انتشارًا واسعًا، ما يعكس أن الفرص لا تزال موجودة لمن يعرف كيف يستثمر مهاراته ووسائل التواصل الاجتماعي.
في النهاية، تُظهر المؤشرات أن خريجي علوم الحاسوب يواجهون تحديات غير مسبوقة في سوق العمل، نتيجة التغيرات السريعة التي يفرضها الذكاء الاصطناعي وتحولات التوظيف في الشركات التقنية الكبرى. ورغم الصورة القاتمة، فإن الفرص لا تزال قائمة لمن يمتلك القدرة على التكيف، وتطوير مهارات عملية، والاستفادة من مجالات النمو الجديدة مثل وظائف الذكاء الاصطناعي. المستقبل سيكون أكثر تنافسية، لكن النجاح سيظل حليف من يجمع بين المعرفة التقنية والابتكار الشخصي.




