أعلن باحثون من جامعة ساوثهامبتون بالتعاون مع شركة مايكروسوفت عن تطوير نوع مبتكر من الألياف الضوئية المجوفة (HCF)، كما قد يعيد هذا الابتكار تشكيل أساس شبكات الإنترنت عالميًا، بفضل سرعات فائقة في نقل البيانات وخفض كبير في تكاليف البنية التحتية.
نهاية حدود الألياف التقليدية
تعتمد شبكات العالم اليوم على ألياف السيليكا الزجاجية، لكنها وصلت إلى حدود أدائها القصوى. ظلت هذه التقنية تعاني فقدانًا في الإشارة على مدى عقود، ما يتطلب إنشاء محطات تقوية متكررة ومكلفة. لكن الألياف الضوئية ذات النواة المجوفة تقدم حلًا جذريًا، إذ تسمح بانتقال الضوء عبر الهواء بسرعة أكبر بنسبة 45% مقارنة بالزجاج.
إنجاز علمي غير مسبوق
بحسب نتائج منشورة في مجلة Nature Photonics، تمكن الفريق البحثي من تحقيق رقم قياسي في تقليل فقد الإشارة وصل إلى 0.091 ديسيبل/كم، وهو أقل من الحد الأدنى المسجل في ألياف السيليكا (0.14 ديسيبل/كم). كما أثبتت الألياف الجديدة كفاءة عبر نطاق ترددي ضخم بلغ 66 تيراهرتز، ما يعني تطبيقات واسعة تمتد من الإنترنت فائق السرعة إلى الحوسبة الكمّية.
مزايا الألياف المجوفة
- تقليل فقد الإشارة: تفقد نصف قوتها فقط كل 33 كيلومترًا، ما يقلل الحاجة إلى محطات تقوية.
- سرعة وسعة غير مسبوقة: سرعة أعلى بنسبة 45% مع قدرة على نقل طاقة تفوق الألياف التقليدية بأكثر من 1000 مرة.
- دعم الاتصالات الكمّية: قادرة على التعامل مع طيف أوسع من الأطوال الموجية، بما في ذلك الفوتونات الفردية الضرورية لشبكات الاتصال الكمّية.
من المختبر إلى السوق
تتولى شركة Lumenisity، المنبثقة عن جامعة ساوثهامبتون والتي استحوذت عليها مايكروسوفت عام 2022، مهمة إنتاج هذه الألياف. كما تعتمد عملية التصنيع على تقنيات متقدمة تحافظ على البنية الهندسية الدقيقة للألياف، ما يضمن انتقالها من مجرد ابتكار علمي إلى عنصر رئيسي في شبكات المستقبل.
مستقبل الألياف المجوفة والسوق العالمية
تشير التوقعات إلى أن السوق العالمي للألياف الضوئية المجوفة سيصل إلى نحو 13 مليون دولار في عام 2025، مع معدل نمو سنوي متوقع يتجاوز 6.3% حتى عام 2033. ومن ناحية أخرى، لا تقتصر استخدامات هذه التقنية على شبكات الإنترنت فحسب، بل تمتد لتشمل مجالات حيوية مثل الاستشعار الطبي، مختبرات الأبحاث، ومعالجة الليزر.
وفي الوقت نفسه، تعمل شركات متخصصة مثل Relativity Networks بالتعاون مع Prysmian على توسيع نطاق التصنيع، مما يتيح تزويد مراكز البيانات الأوروبية بألياف مجوفة متطورة قادرة على دعم البنية التحتية الرقمية المستقبلية.
تحديات لا تزال قائمة
رغم المزايا الكبيرة التي توفرها الألياف الضوئية المجوفة، إلا أنها لا تزال تواجه عدة تحديات تعيق انتشارها الواسع. فمن ناحية، ما زالت تكلفتها الحالية مرتفعة مقارنة بالبدائل التقليدية، وهو ما يحد من اعتمادها التجاري.
بالإضافة إلى ذلك، تعاني هذه الألياف من ضعف في القوة الميكانيكية إذا ما قورنت بالألياف الزجاجية المعتادة، مما يجعلها أكثر عرضة للتلف. كما أن غياب معايير صناعية موحدة يمثل عائقًا أمام توحيد عمليات الإنتاج والتوزيع عالميًا. وأخيرًا، تبقى حساسيتها للرطوبة والظروف البيئية تحديًا يتطلب حلولًا مبتكرة لضمان استقرارها وكفاءتها على المدى الطويل.
في النهاية، يمثل تطوير الألياف الضوئية المجوفة نقطة تحول في عالم الاتصالات. فهي لا تعد فقط بإنترنت أسرع وأكثر كفاءة، بل بقدرة على دعم الجيل القادم من التقنيات مثل الذكاء الاصطناعي المتقدم والاتصالات الكمّية الآمنة. ومع بدء الإنتاج التجاري، قد نكون على أعتاب عصر جديد من الاتصال الفائق.




